موعد مع المـوت

موعد مع المـوت

الأب سميح رعد

(عظة دفن أبو شبل، اسطفان الشكر،

في كنيسة مار ميخائيل، معاصر الشوف،

في 15 تموز 2005)

كلّ موعد بين اثنين عقد، إثنان يتّفقان عليه… وحده الموت ينقضّ علينا دون أن يشاورنا، دون موعد…

معرفتي بأبو شبل منذ لحظة وصولي خادمًا لهذه الرعية، فأبو شبل جار الكنيسة وجار الأنطش ونِعْمَّ الجيرة… ألقاه صيف شتاء، إلاَّ أنّه في هذا الصيف لن يكمّل المشوار معنا، ذهب إلى موعده، وكان قد استأذن.

18-_Clocher_de_l_e_glise_de_Maasser
Photo prise du site du Maître Denis Langlois

كان لأبو شبل موعد مع الموت… ولم يكن خائفًا.

مرّتين أو أكثر، خاطبني أبو شبل عن الموت…

في بداية الصيف الماضي، قلت له ممازحًا: « يا عم أبو شبل شدّ ظهرك شوي! »، فقد كنّا نتلاطف بكلمات بسيطة، أحترم فيها شيخوخته، ويبدي لي محبة واحترامًا كبيرين، أجابني أبو شبل: « يا أبونا، مش حرزانة… »

ذهبت وأمّيت الصلاة وأقمت الذبيحة، وفي تلك الليلة، قبل نومي بقليل أيقضتني كلمات أبو شبل: « يا أبونا، مش حرزانة… »، وأذكر تلك الليلة، أنّي نهضت من فراشي، وسجدت على سجّادتي، صلّيت لكلّ شيوخنا ومرضانا، أولئك الذين يقولون في أنفسهم: « مش حرزانة! »، وأذكر أنّي صمّمت أن أتحدّث أكثر في عظاتي عن الرجاء والقيامة، وعلى مضارب اللقاء مع الله، فمسيحيتنا هي القيامة، وعلى القيامة إيماننا مركون، ومعه المواعيد لا تخلّ حتَّى إذا نحن أخلّينا.

والمرّة الأخيرة كانت منذ أسبوعين، حين اقتربت إلى جماعة منكم قبل القدَّاس لألقي عليها التحيّة، وكان هو فيها، وكانت سيّدة من سيدات المعاصر بقربه… بعد السلام، توجّهت إليّ تلك السيدة بالحديث: « شفت يا أبونا، أبو شبل عم يقول: قرّب وقتو! » فتوجّهت إليه بالحديث قائلاً: « بعدك شيخ الشباب يا عم أبو شبل! »… صدق أبو شبل… موعده مع الله كان قريبًا، والمواعيد مع الله لا رجوع فيها أبدًا… وكلّنا على الرجاء أنّك تتأمّل الآن في وجه حبيبنا يسوع المسيح.

وحال أبو شبل كحال المؤمنين الصالحين إذا أحسوا أنّهم ينطوون. في هذا السياق، أذهلتني سيرة القديسة تيريزيا الصغيرة، معلمة الكنيسة، كانت لحظة احتضارها تتكلّم على الملكوت الذي تدخله. كان شعوري، كشعور كثيرين عندما قروؤها أنَّها واثقة بالله وثوقًا مطلقًا كمن يتحدّث عن انتقاله من غرفة إلى غرفة في بيته. لم يكن عندها احساس أنّها تصعد إلى مكان آخر، خارج الوجود. لم تكن تفصل بين هنا وهناك. فهمت أن الإيمان عند قلّة منَّا هو بمثابة العيان ولا فرق عند هؤلاء بين الحاضر والآتي… هم بلا انتظار يسكنون الخيرات…

يا أبو شبل، كنت كهذه القديسة، رغم معرفتك بموعدك معه تابعت عملك كالمعتاد، إيمانُك كإيمان قلّة مختارة منّا، هو بمثابة العيان، لم يكن عندك فرق بين الحاضر والآتي… كنت فوق كلّ انتظار أو بلا انتظار، لأنّ السلام يسكنك.

أبو شبل، ماذا أقول عن أبو شبل؟ أحببته كثيرًا، واحترمت فيه احترامًا كبيرًا تلك الرغبة الكبيرة في العيش بكرامة. يعجز لساني عن الحديث أكثر عن أبو شبل، فهو من الصنف النادر!

رحم الله أبو شبل، ونفعنا بصلوات القديسين والقديسات والشهداء. آمين.

Laisser un commentaire