« طريق رجاء »: ستّون عامًا من الحوار بين الأديان وأسئلة اللاهوت المسيحيّ
الأب الدّكتور سميح رعد[1]

تعود أهمّيّة مُذَكِّرَة « طريق رجاءٍ »، الصّادرة في أيلول 2026 عن دائرة عقيدة الإيمان ودائرة تعزيز وحدة المسيحيّين ودائرة الحوار بين الأديان، بمناسبة مرور ستّين عامًا على إعلان المجمع الفاتيكانيّ الثّاني « في عصرنا » (Nostra aetate)، إلى كونها لا تكتفي باستعادة ما حقّقه هذا الإعلان، بل تسعى إلى تحديد أساسه اللّاهوتيّ. فالسّؤال المطروح ليس: ماذا أنجزت الكنيسة خلال ستّة عقودٍ؟ بل: ما الّذي يعنيه لاهوتيًّا أن تتحاور الكنيسة الكاثوليكيّة مع أديانٍ أخرى، مع تمسّكها بإيمانها أنّ يسوع المسيح هو الحقيقة الكاملة والخلاص الشّامل؟
لا تمثّل المُذَكِّرَة قطيعةً مع مسار المجمع، ولا تطمح إلى قولٍ لاهوتيٍّ متكاملٍ في لاهوت الأديان، بل تنقل مركز ثقل السّؤال من مشروعيّة الحوار إلى دلالته؛ فقد صار الحوار الميدان الّذي يضع فيه اللّاهوت المسيحيّ مفاهيمه الجوهريّة على المحكّ: فرادة المسيح، وشموليّة الخلاص، وطبيعة الوحي، ودور الكنيسة، وموقع المؤمن خارج حدودها المنظورة.
هذه المسألة هي المحور المركزيّ في لاهوت الأديان المعاصر. فمنذ أن انتقلت الكنيسة الكاثوليكيّة من التّركيز على أخطاء الأديان الأخرى إلى الاعتراف بوجود « ما هو حقٌّ ومقدّسٌ » فيها، برز سؤالٌ لم يحسم: إذا كانت هذه الأديان تتضمّن عناصر من الحقيقة والخير، فما مصدرها؟ وكيف تتّصل بالمسيح؟ وهل تفهم مجرّد استعدادٍ لقبول الإنجيل، أم مواطن يمكن أن يعمل الله من خلالها؟ ينبغي هنا تمييز مستويين: المستوى الأخلاقيّ الإنسانيّ المتعلّق باحترام كرامة الآخر ورفض العنف الدّينيّ، والمستوى اللّاهوتيّ المتعلّق بالقيمة الدّينيّة للاختلاف بحدّ ذاته، أي موقع الآخر الدّينيّ في تاريخ الخلاص من غير أن يضعف ذلك فرادة المسيح.
تقوم المُذَكِّرَة، في المقام الأوّل، بإعادة ترتيب عناصر تبلورت تدريجيًّا منذ المجمع: الهويّة المسيحيّة، والحوار، والرّسالة، والحرّيّة الدّينيّة، والأخوّة الإنسانيّة، والتّعاون من أجل الخير العامّ، بحيث يصير الحوار إطارًا تتقاطع داخله هويّة الكنيسة ورسالتها وشهادتها للمسيح وعلاقتها بالآخر الدّينيّ. ومن هنا تبرز قضيّةٌ نظريّةٌ محوريّةٌ: العلاقة بين الهويّة والانفتاح. فالحوار يفترض هويّةً دينيّةً لا يجوز أن تكون ذريعةً للانغلاق، ولا يقوم على تعليق الاختلافات بل على مواجهتها من دون تحويلها خصومةً، إذ معرفة الآخر تقتضي أن يسمح له بالظّهور في خصوصيّته لا أن يعاد تشكيله وفق صورةٍ يريدها الطّرف المقابل.
يفتح هذا إشكالًا أعمق: إذا كان كلّ طرفٍ يحمل ادّعاءه الخاصّ بالحقيقة، فما طبيعة الحقيقة الّتي يلتقي عندها المتحاورون؟ هنا تكتسب مقاومة المُذَكِّرَة للنّسبيّة أهمّيّةً خاصّةً: فالحوار المسيحيّ لا يفترض تكافؤ الأديان، ولا يقتضي التّلفيق الدّينيّ عبر بناء تركيبٍ جديدٍ من عناصر متباينةٍ. غير أنّ رفض النّسبيّة والتّلفيق لا يحسم المسألة، إذ يبقى السّؤال قائمًا حول كيفيّة الاعتراف بما يحمله الآخر من قيمةٍ دينيّةٍ حقيقيّةٍ من دون مساواة جميع التّصوّرات من حيث الحقيقة اللّاهوتيّة. فالتّحدّي ليس الاختيار بين الانغلاق والمساواة، بل تحديد الأساس الّذي يتيح الاعتراف بما هو حقٌّ في الآخر مع صون فرادة الحقيقة المسيحيّة.
يعني هذا أنّ الحوار قضيّةٌ تمسّ بنية اللّاهوت المسيحيّ من نواحٍ أربعٍ: الكريستولوجيا (معنى وساطة المسيح الخلاصيّة)، وعلم الكنيسة (علاقة الخلاص بحدودها المنظورة)، ولاهوت الخلاص (كيف يعمل الله في حياة أتباع التّقاليد الأخرى)، ومفهوم الوحي (حضور الله في التّاريخ الدّينيّ للبشريّة من دون خلطه بالوحي المسيحيّ).
تحتلّ العلاقة مع اليهوديّة موقعًا فريدًا، لأنّها تمسّ الهويّة المسيحيّة من الدّاخل لا بوصفها حوارًا بين تقليدين متكافئين. وتستعيد المُذَكِّرَة قول يوحنّا بولس الثّاني سنة 1986 عن اليهود بوصفهم « إخوةً أبكارًا في الإيمان »، ما يفسّر تقديم هذه العلاقة على سائر الأديان، إذ لا تفهم المسيحيّة ذاتها من دون جذرها اليهوديّ. ومع التّأكيد أنّ عهد الله مع شعب العهد القديم « لا رجعة فيه »، ترفض المُذَكِّرَة وجود طريقين للخلاص وتؤكّد فرادة المسيح، تاركةً توتّرًا لاهوتيًّا غير محسومٍ بين العهد والوساطة الخلاصيّة. كما تربط نشأة الحوار بذاكرة المحرقة ومراجعة تاريخ العداء المسيحيّ لليهود، ما يمنحه بعدًا تاريخيًّا وأخلاقيًّا مميّزًا.
أمّا العلاقة مع الإسلام فتكتسب أهمّيّةً خاصّةً، لا بوصفها وسيلةً لتحسين العلاقات بين جماعتين، بل مجالًا يختبر فيه اللّاهوت المسيحيّ قدرته على الجمع بين الاعتراف بالمسلم إنسانًا مؤمنًا بالله والإقرار باستمرار اختلافٍ جوهريٍّ في الثّالوث والتّجسّد وألوهيّة المسيح وطبيعة الوحي ومفهوم الخلاص. فالتّحدّي ليس إلغاء الاختلاف، بل بلورة علاقةٍ حواريّةٍ تحفظ التّمايز العقديّ من دون تحويله خصومةً، وتؤسّس لأخوّةٍ إنسانيّةٍ من دون تطابقٍ عقديٍّ، وهو ما تتيحه توسعة المُذَكِّرَة لمفهوم الحوار ليشمل حوار الحياة والعمل والتّعاون والخبرة الدّينيّة.
يبقى السّؤال: هل الأخوّة بين المسيحيّ والمسلم أنثروبولوجيّةٌ بحتةٌ قائمةٌ على الكرامة المشتركة، أم تحمل بعدًا لاهوتيًّا أعمق يجعل من الإسلام ذاته مسلكًا قد يعمل الله من خلاله؟ وهذان الخياران يقابلان اتّجاهين قائمين داخل التّفكير الكاثوليكيّ المعاصر في لاهوت الأديان، والمُذَكِّرَة، إذ تستخدم لغة الأخوّة من دون أن تحسم أيًّا منهما، تترك القارئ أمام السّؤال ذاته: هل الأخوّة معطًى إنسانيٌّ سابقٌ على الاختلاف الدّينيّ، أم ثمرةٌ لعملٍ إلهيٍّ واحدٍ يتجاوز حدود الكنيسة المنظورة؟ والقول بأولويّة الأخوّة الإنسانيّة لا يعني تعليق الاختلاف الدّينيّ، بل تمييز مستوى الكرامة المشتركة الّذي يؤسّس للّقاء، عن مستوى الانتماء العقديّ الّذي يحدّد علاقة كلّ طرفٍ بالله والحقيقة والخلاص.
يبقى السّؤال الأكثر حساسيّةً: هل تنتقل المُذَكِّرَة من الاعتراف بعناصر الحقيقة والخير في الأديان الأخرى إلى الاعتراف بدورٍ إيجابيٍّ لهذه الأديان ذاتها في تاريخ الخلاص؟ فالقول بوجود عناصر حقٍّ لا يساوي القول بأنّ الدّين، بوصفه تقليدًا، يؤدّي وظيفةً إيجابيّةً في التّدبير الخلاصيّ، والانتقال من الأوّل إلى الثّاني يحتاج تحديدًا دقيقًا للعلاقة بين عمل الله الشّامل وفرادة المسيح ووساطة الكنيسة. وهنا تظهر حدود المُذَكِّرَة في الوقت الّذي تظهر فيه أهمّيّتها: فهي تفتح المجال أمام هذا السّؤال من دون أن تحوّله إلى نظريّةٍ متكاملةٍ.
بهذا يفهم المسار من « في عصرنا » إلى المُذَكِّرَة الجديدة بوصفه انتقالًا من سؤالٍ أوّل: هل ينبغي للكنيسة أن تنفتح على أتباع الأديان الأخرى؟ إلى سؤالٍ أعمق: ماذا يكشف هذا الانفتاح عن طبيعة الحقيقة المسيحيّة نفسها؟ فمُذَكِّرَة « طريق رجاءٍ » ليست خاتمةً لمسارٍ بدأ سنة 1965، بل محطّةً في تطوّرٍ لم ينته بعد.
غير أنّ سؤالًا يظلّ معلّقًا فوق هذا كلّه، لا يطوى مع خاتمة المُذَكِّرَة، بل يتربّص بها من طرفٍ خفيٍّ: أين موقع الكنائس الشّرقيّة من هذا المسار، بعد أن انخرطت فيه على صعيد مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك، ومجلس كنائس الشّرق الأوسط، وشبكات الحوار القائمة على مبادراتٍ فرديّةٍ أو جماعيّةٍ؟ فاليوم نشهد غيابًا لقولٍ لاهوتيٍّ نابعٍ من الخبرة الحيّة لهذه الكنائس، غيابًا مردّه فقر الشّرق إلى صوتٍ لاهوتيٍّ قادرٍ على التّعبير عن نفسه، لا افتقاره إلى الخبرة ذاتها. فهذه الكنائس لم تكن يومًا هامشًا عرضيًّا في نشأة الحوار بين الأديان، بل عاشت الجوار مع الإسلام واليهوديّة قرونًا مديدةً، متجرّعةً تفاصيله اليوميّة قبل أن يصير مفهومًا لاهوتيًّا ينظّر له. بل إنّ التّاريخ الّذي أفضى إلى « في عصرنا » ذاته لم يكن ليستقيم من دون إسهامٍ شرقيٍّ أصيلٍ في بلورته.
غير أنّها، وهي تستحضر هذا الإرث، تجد نفسها اليوم أمام أزمةٍ وجوديّةٍ مزدوجةٍ لا تقلّ إلحاحًا عن التّحدّيات النّظريّة الّتي تثيرها المُذَكِّرَة. فمن جهةٍ، تعيش أزمة حضورٍ تتجسّد في نزيف هجرةٍ متواصلٍ يفرغها من شبابها، هجرةٌ لا يفسّرها ضيق العيش وحده، بل يغذّيها أيضًا ضيق المساحة الممنوحة للمواطنة الكاملة في محيطٍ ذي أغلبيّةٍ إسلاميّةٍ، وثقل علاقةٍ تاريخيّةٍ باليهوديّة لم تنفكّ عن إضافة عبءٍ جديدٍ إلى هشاشة هذا الحضور. ومن جهةٍ أخرى، تعاني أزمة تغييبٍ عن صياغة النّصوص المرجعيّة ذاتها، إذ تكتب هذه النّصوص بمنظورٍ لا يتّسع لتجربتها. فهي الّتي عاشت جوهر ما لا تطرحه المُذَكِّرَة إلّا نظريًّا، تظلّ مقصاةً عن صياغة أجوبته، في لحظةٍ يتهدّد فيها وجودها بقدر ما يسكت صوتها. وربّما لا يكتمل السّؤال الّذي افتتح هذا التّأمّل، عن كيفيّة بقاء المسيح في مركز الإيمان من دون أن يتحوّل هذا المركز إلى إلغاءٍ للآخر، ما لم يسمع في الإجابة عنه صوتٌ شرقيٌّ يحمل عبء هذا الجوار وثقله منذ فجر الإسلام، ويحمل أيضًا خبرته الخاصّة في علاقةٍ باليهوديّة لم تكن يومًا علاقةً نظريّةً مجرّدةً، بل جوارًا معاشًا بكلّ توتّراته وأسئلته.
مع ذلك، فإنّ هذا كلّه، على ثقله ومرارته، لا ينبغي أن يقرأ نقيضًا للحوار بل تذكيرًا بجوهره؛ فالحوار بين الأديان، في نهاية المطاف، ليس مسلكًا احتياطيًّا تلجأ إليه الكنيسة حين يعجز الجدل العقديّ عن حسم الاختلاف، ولا هو أداةٌ دبلوماسيّةٌ لتهدئة التّوتّرات بين الجماعات؛ إنّه، في جوهره، طريق رجاءٍ بالمعنى الدّقيق للكلمة. فالرّجاء المسيحيّ لا يقوم على امتلاك يقينٍ مغلقٍ يستغني عن الآخر، بل على ثقةٍ بأنّ الله، الّذي كشف ذاته كاملةً في المسيح، لا يزال يعمل خارج الحدود المنظورة لكنيسته، في تاريخ البشر وضمائرهم ومعتقداتهم، من دون أن يفرّط بفرادة ذلك الحدث الخلاصيّ. وحين يدخل المسيحيّ في حوارٍ مع اليهوديّ أو المسلم، أو أيّ دينٍ آخر، فهو لا يخاطر بإيمانه بقدر ما يمارسه، شاهدًا لرجاءٍ يتّسع لكلّ إنسانٍ من دون أن يذوب في تعدّديّةٍ عمياء. وربّما هذا بالضّبط ما تختبره الكنائس الشّرقيّة أكثر من سواها: أنّ العيش اليوميّ مع الآخر الدّينيّ، بكلّ عبئه وتوتّراته، ليس نقيض الرّجاء، بل الموضع الّذي يختبر فيه هذا الرّجاء ويصقل، جيلًا بعد جيلٍ؛ وأنّ صوتها، حين يسمع أخيرًا، لن يقول شيئًا آخر سوى أنّ الطّريق، مهما اشتدّ وعورةً، يبقى طريق رجاءٍ.
[1] كاهن في أبرشية متس الفرنسية. دكتور في الفلسفة. مجاز في اللاهوت. مجاز في العلوم العربية والإسلامية.