
الأب بسام العزيز،
في هذا اليوم الذي تحتفل فيه بمرور ثلاثين عامًا على كهنوتك، أردت أن أترك لك بعض الكلمات؛ لا لأقول ما لن تكفيه ثلاثون سنة لتُروى، بل لأعيد إليك ببساطة شيئًا لم يفتأ الزمن يرسّخه في نفسي: أخوّة لم تنطفئ يومًا، ورفقة ظلّت تمشي معنا، هادئةً وعميقة، تحت ضوء الله.
منذ ثلاثين عامًا، كنا شمّاسَين إكليريكيين بين كثيرين، نبحث عن الوجه ذاته في صمت الممرّات، وفي نور كنيستنا الصغيرة في الربوة. كانت أيامنا بسيطة، لكنها كانت ممتلئة بحضور خفيّ: صلاة السَّحر والقداس الصباحي يجمعنا مع الإخوة قبل أن يستيقظ العالم، والطريق اليومي إلى معهد القديس بولس في حريصا، وحوارات المساءات التي كانت تشبه، من غير أن ندري، تدريبًا على الإصغاء الذي سيصير يومًا خدمتنا للنفوس.
لم نكن نعلم بعد ما سيصنعه الله من أيدينا وأصواتنا وحياتنا الموهوبة، ولا إلى أين ستأخذنا الطرق التي بدأت من الإكليريكية. لكن شيئًا كان يُنسج بيننا منذ ذلك الحين، بخيط لا تراه العين: صداقة تحمل في أعماقها بذرة المذبح.
وبعد ثلاثين عامًا، هذه الحُلّة التي ترتديها كل صباح، والتي أرتديها أنا أيضًا، ليست مجرّد ثوب ليتورجي؛ إنها خيط غير منظور يربطني بك، عابرًا المسافات والسنين. فكلّما رفع أحدنا الخبز والخمر، عاد بنا السرّ إلى ذلك المكان الأول، إلى المذبح الذي تعلّمنا عنده أن حياتنا لا تعود لنا وحدنا.
أذكر كلمة الرسول بولس: «لست أنا أحيا بل المسيح يحيا فيّ» (غلاطية 2: 20). وكم تصدق هذه الكلمة على مسيرتنا الكهنوتية، نحن الذين أفرغنا ذواتنا لنمتلئ به، وسلّمنا له حياتنا لكي يجعل منها، رغم فقرها، مكانًا لحضوره. لسنا فقط زميلين في الخدمة، بل إخوة أمام المذبح؛ يجمعنا كهنوت المسيح، الذي دعانا، أنت وأنا، بفقرنا وحماستنا ومخاوف البدايات.
وهناك أيضًا القلم؛ تلك الرسالة الأخرى، الأكثر خفاءً، لنشر الإنجيل. كم من أمسيات أمضيناها نتعقّب الكلمة الصائبة، ونعيد صياغة جملة لم تكن بعد تحمل ما أراد القلب أن يقوله! لا أنسى الصباحات التي كنا نعيد فيها قراءة نص معًا، باحثين عن أرقى طريقة لنقول الله للناس، والأمسيات التي كانت تولد فيها فكرة من حديث عابر، فتنمو شيئًا فشيئًا حتى تصير كلمة مكتوبة، هبةً لمن يقرأ.
كنا كذاك الكاتب الحكيم الذي وصفه الإنجيل: «يُخرج من كنزه جددًا وعتقاء» (متى 13: 52)، نمزج خبرة السنين بحماسة البدايات، ونفتّش عن الكلمة التي لا تشرح الإيمان فحسب، بل تُشعل القلب وتوقظ الرجاء. وهذه اللحظات أيضًا كهنوت: طريقة أخرى لكسر الخبز، خبز الفكر وخبز المعنى، أمام جياع الحقيقة والعطاش إلى كلمة حيّة.
ثلاثون عامًا من قداديس احتُفل بها بخشوع أو ببرودة، واعترافات أُصغي إليها بصبر، وأيادٍ استقرّت على جباه منحنية تطلب الغفران أو الطمأنينة، وكلمات نُسجت للتعزية أو الإستنارة: إنها حياة كاملة انسكبت نحو الآخرين، على مثال الذي تخدمه وتحيا فيه.
وأنا أعلم، منذ عرفتك شابًّا يتلمّس طريقه، كم كلّفتك هذه الأمانة من صبر وتجرّد، وكم ملأتك، في المقابل، بعطاء لا يُقاس. لم يكن الدرب دائمًا مفروشًا بالنور؛ فالكهنوت يمرّ أحيانًا في ليالي الأسئلة، وفي ساعات التعب والصمت والتساؤل. لكنك بقيت ثابتًا كالمصباح الذي لا ينطفئ أمام الهيكل، ساهرًا وإن خفت الضوء أحيانًا. وهذا الثبات، الصامت أكثر من الكلام، يستحق كل إكرام.
فاليوم، أشكر الله معك على هذه الرفقة التي بدأت على مقاعد الإكليريكية ولا تزال مستمرّة في كهنوت مشترك؛ على الحُلّة التي تجمعنا أمام المذبح، وعلى القلم الذي يجمعنا أمام الصفحة البيضاء. وأصلّي أن تبقى هذه الرفقة علامةً لمن حولنا، شاهدةً بأن الكهنوت ليس عبئًا يُحمَل وحيدًا، بل عطيّة تُحيا معًا، في الأخوّة والفرح.
وكيف لي أن أنسى هديتك، أيقونة الثالوث لروبليف، في اليوم الأخير من وجودنا في الربوة، يوم خرجنا معًا من باب إكليريكيةالقديسة حنة إلى رحاب عالم الرعاية؟ كانت أكثر من هدية عابرة؛ كانت بركة ترافقني، وعهدًا صامتًا بأن نبقى، أنا وأنت، في حضرة السرّ الذي يجمع الآب والابن والروح في محبة واحدة لا تنقسم. وكلما نظرت إليها، رأيت شيئًا من الطريق الذي قطعناه، ومن الأخوّة التي بدأت منذ أن كنا شابين ومضت معنا من الإكليريكية إلى المذبح، ومن المذبح إلى طرق الحياة.
وأنت، يا صديقي، كنت ولا تزال الهدية الكبرى التي وهبني إياها الرب في هذا الدرب. فصداقتك لم تكن يومًا زادًا عابرًا، بل بيتًا أعود إليه كلما أثقلتني الطريق. وأنت أيضًا، بكهنوتك وسهرك وعطائك، هدية كبرى لكنيستنا الحبيبة في الأردن، التي تخدمها بمحبة وأمانة، وتحمل إليها كلمة الإنجيل ورجاء المسيح.
فليحفظك الرب، الذي دعاك منذ ثلاثين عامًا، والذي لا يكفّ عن الإمساك بيدك، وليمنحك أن تمضي في السنوات الآتية وقلبك لا يزال يعرف الطريق إلى المذبح، وروحك لا يزال فيها شيء من ذلك الشاب الذي عرفته يوم كنا نصلّي معًا قبل أن يستيقظ العالم.
فلتبقَ طويلًا بيننا: كاهنًا بحسب قلبه، وأخًا على قلبي.
وبكل مودّتي الأخوية، وباسم كاهننا الأعظم يسوع المسيح، الذي منه يستمدّ كهنوتنا معناه وقوته، أرفع إليك أحرّ التهاني وأخلص الصلوات، شاكرًا معه على ثلاثين سنة من النعمة، وعلى صداقة جعلها الزمن أكثر عمقًا وهدوءًا وامتنانًا.
أخوك في الكهنوت سميح
متز فرنسا، 26 ايلول 2026