الأب سميح رعد
كثيرة هي الكتابات في الصداقة، والصحف لا تبخل بنصيب عنها.
كيف لا والصداقة صنفٌ من أصناف الحبّ، لا أي حبّ إنها قيمة ترتفع إلى مصاف الحبّ الإلهيّ، الأمانة. الصداقة حبٌّ يشدّنا إلى ما فوق الزمان، إلى أعماق مبتغى النفس. كما يشدنا إلى ما فوق المكان، إلى أبعد مبتغيات الوجود تجسّدًا. إنّها تقود إلى حيث الأنا ليست بعد، ولا هي بعد مرميّةٌ في حدود الشكل، حيث الكثرة تُتْعِب وتُنْهِك وتُوْجِع وتُدْمي.
مع ذلك هناك في محدوديّات الشكل تفتّش الأنا عن واحدٍ أحدٍ يجد فيه من يُحِبُه ويُحَبُّ منه.
الصداقة دهشةٌ مستمرة، تعهّدٌ يبدأ في لحظةٍ ويشتهي العودة إليها في آن. يبدأ في نقطةٍ ويشتهي العودة إليها على الدوام. هذا هو الحنينٌ إلى ديمومة الحبّ.
الصداقة تشبع من الصداقة وترتوي منها. إنّها أشبه بالنور، هي هو، وفي آن هي ليست كما هو، بل تنمو وتعلو وتزهر مشدودةٌ إلى ما فوق الشكل البعيد عن الهنا والآن، وما بينهما وما فيهما من نقاء الطهر والصفاء… ولا يبقى أيّ لونٍ إلَّا لونها.
الصداقة حجّ عظيم. تكون من أجل ذاتها، رغم ما يعتري الإنسان من مكونات الضعف من لحمٍ ودم. في قلب الإنسان شوقٌ عظيم لها، حنينٌ لا يوصف لملاقاتها.
الصداقة حبٌّ من صنف حبّ الألوهة. تحب الصديق حبّ الإله والإله يحبّك كحبّ الصديق، ولكنّك تعرف في عمقك أنّ الإله ليس لك وحدك، إنّه السر غير المخلوق. في الصداقة تحاول أن ترى ما هو غير مخلوق في هذا المخلوق-الصديق.
الصداقة تقبل بالانفصال الزمنيّ، تقبل بالابتعاد المكانيّ، لأنّ مصدرها ليس الهنا. مسروقةٌ من اللامكان، من عهد الحبّ الأبديّ الذي صفته إنّه غير مكتوب، غير موقّعٍ من أحد.
في الصداقة سرّ احترام الخصوصية، سرّ احترام قدسيّة الخصوصية. الخصوصيّة تلك الحديقة القائمة في عمق النفس البشريّة. هناك، تستقيم وحدة الإنسان مع نفسه حيث لا يمكن أن تُغتصب أو تباح. هناك حيث الصورة التي على شكلها خُلق الإنسان، حيث هو هو كما هو، حيث الإله يسكن معه وبه، يُدْخَل الصديق فيندهش ويَغْتَبِط من صنعة الخالق في مخلوقه-صديقه. هناك يكتشف وفاء الصديق لنفسه ووفاءه لخالقه وللقيمة العظيمة الصداقة.
في صداقتك، وقبل كلّ شيء، لا تنسَ أبدًا أنّ في كلّ إنسان لا يمكن أن يشبعه أيّ حبٍّ بشريّ. سرّ وجود الصداقة وسرّ حياتها ونموها هو الإخلاص الزاهد، فلا تنتظر أن يمنحك أحد كلّ شيء، وإلا سَتُزْهَق في الانتظار، لا أحد يمكنه وَهْبَكَ أيّ شيء… فالانتظار الحقيقيّ، إبحث عنه في الله، في محبّة الله. وإن داهمتك الخيبات من الصدق والصداقات، إِلْبَس الـمَعَزَّة دِثَارًا، وذوّب الانكسارات في الغفران. سينمو الآخر من جديد، وتسيران معًا ولن يصدمك؛ وإن صُدِمْتَ تذكّر « سبعين مرّة سبع مرّات ». لأنّك والجرح منك، وصديقك منك، تناقص التناقص مسيرة كمالٍ سويًّا تسيرانها. والصديق على الصدق سَيُسَرُّ وإن عَثَر لأنّ الصداقة حجٌّ دائم، نهايته في اللقاء الكبير مع الوجه الوجه: الله. وتحمل معه وجهك ووجه صديقك حيث سيكون البهاء الأعظم والنور الأصفى…
الصداقة لا تلبس إلَّا ثوبها. والصديق من طينة ذاتك. هو هذا الأنت. حين تجد هذا الصديق، في معابر الزمان المخلوق والمكان المحدود، لا تعود تفتّش عن وجه. لأنّك وجدت الوجه الوجه. من ذلك الوجه تستقي النُّسْغَ وتسقي به مودّةً وحضورًا وعنايةً وعزاءً، ليس كرمًا منك، ولكن كرمًا من الله. الصداقة هي إتكأٌ لخدّك على صدر الصديق ودًّا فوق الشبهات، شبيه بوضع خدّالحبيب يوحنّا على صدر المعلّم.
نعم الصداقة عزاءٌ في برّية هذا الوجود، الصداقة هي الودّ الذاهب والآتي بين رفيقين، هي كأس الماء المارق بينهما في قرّ هذه الكينونة المأطّرة بإطار المخاض والمفكّكة من جراح العلاقات الغريبة المثقلة بكلّ ما يحمله هذا الهنا والآن.
الصداقة أسمى من الموت، الموت المصنوع في الهنا. الصداقة هي القيامة، القيامة هي التملّص والتخلص من الوثن والنثن.
يا صديقي، أنظر إلى نفسك، صديقك الحقُّ هو الله وأنت حبيبه الأحقّ. فما أنا وأمثالي إلّا عُثْرٌ وطغيان في مسيرة تطهّر. لن يملأ قلبك وقلبي إلّاه إلّاه. المودّة البشرية لا تُشبع وحدها، لأنّ البشر لا يُشْبِعُون. فوجودنا نقصٌ، وقيامنا بالله، فصادقه وعد إليّ فنسير معًا.
_المقالة نشرت في جريدة النهار البيروتية، في 31 تموز 2023
(الصورة بعدستي، بيانا كورسيكا)