حين تعشق العقول

حين تعشق العقولستّة عشر عنوانًا من نار يكوي الفؤاد، تخبرنا عنها ناتالي الخوري غريب في روايتها الجديدة: « حين تعشق العقول »، الصادرة عن دار سائر المشرق، 2015، تزيّنها صورة الغلاف للأستاذ جورج طرابلسيّ.

من قلب القلب تروي روايتها الجديدة… كلّ كلمة فيها معجونة بحبر التفتيش عن معنى، مجبولة بألم البحث عن جمع هويَّة ممزَّقة… لسان الراوية هو لسان عودة الواصل كما يُقال في لغة الروحانيِّين.

لماذا اختارت ناتالي الخوري غريب « حين تعشق العقول » عنوانًا لروايتها الجديدة؟ لماذا تصرّ على إبعاد القلب العاشق عن العقل المفكِّر؟ هي المفتّشة الباحثة عن الحقيقة، تترحّل من لبنان الصغير، الواقع في زاوية مجهولة من زوايا آسيا، إلى ليبيريا، البلد البعيد في غربيّ إفريقيا، إلى أكبر بلد في العالم الهند… إلى الولايات المتَّحدة الأميركيَّة… تترحّل في تفتيش عن حقيقة أو حقائق أصغرها بحاجة إلى عقل نيِّر ليدركها.

رحلة في الأديان هو هذا الكتاب، بل أكثر هو رحلة في الروح…
الأديان ليست الأهمّ عندها بل الحقيقة.
الصراع الأبديّ بين العقل والدين لبس الرواية من البداية حتى النهاية كثوب فضفاض أنيق لعروس…
من ألف الرواية حتى يائها، صراع بين الجوهر والمظهر ملأ جوارح أبطالها.
قبض وبسط في كل شخصياتها.
قبض وبسط في المغموس بالحبّ المذبوح فيه حتى آخر قطرة حياة.
قبض وبسط في الحاقد حتى آخر حدود الكبرياء.

متصوِّنة هي ناتالي الخوري غريب بحشمة راقية في روايتها… لم يبق عندها كلام لأنَّها اختارت أحيانًا كثيرة لغة أفضل منه ألا وهي لغة الصمت ومخيلة القارئ… الأفق كلّه مفتوح أمام القارئ كما السواد أمام المتصوِّفين… أفقٌ تجعل من الرجل والمرأة وحدة مجبولة بالحبّ متجرّدة… كائنًا لا كائنان وليتخيَّل المتخيّل كيف ينصهران.

هُوِّيَّات قاتلات أم هُوِّيَّات ممزَّقات… لا هذه ولا تلك، هي هي، كاملة هي الهويَّة كما في كلّ شخصيَّة من شخصيَّات الرواية، تكتب الحياة لا بل الحيوات كما تفضّل أن تستعملها الراوية… هُوِّيَّات محييات لا تتشابه… هُوِّيَّات تجعل من الجميع غرباء، يفتّشون ولكنّهم في ترحال دائم في مسافات الجغرافيا والزمان.
هُوِّيَّات وهُوِّيَّات كلّها تبحث عن المعرفة المقدَّسة لتشبع جوع عقولها العاشقة للحقيقة… تريد أن تحطّم كلّ جدران السجون وأبوابه وأسياجه… تريد الحريَّة ولا شيء سوى الفضاءات الواسعات التي ربّما هي كلّ شيء… هُوِّيَّات وهُوِّيَّات تريد تحطيم سياجات الاباطيل التي تقزّم الإنسان رجلاً كان أم إمرأة… تريد أن ترحل إلى البعيد البعيد لأنّ الهُنَا يُتْعِبُ ويُنْهِكُ ويَقْتَل… لأنَّ الآن الحقيقيَّة تشوَّهت وفقدت معناها.

« كان لا بدّ لها أن توضّب أغراضها… وترحل »… سافرت البطلة، كما سافر بطلها مترحِّلًا، في رحلة وألف رحلة… وأبعدها كان رحلة الانتظار… إلى لقاء حقيقيّ شفاف كشفافيَّة الروح وخالد كخلود الحكمة.

بموت والد البطلة في إفريقيا تبدأ رحلة جديدة في حياتها… ينبعث قديم ويولد من جديد أمور كثيرة…
صوفي، إسم البطلة، هي الحكمة الخالدة، هذه الصَّبيَّة التي تحمل في لون بشرتها الخلاسيّ سؤال « ما ذنبي في هذا كلِّه؟ » تفتش عن الخلاص ومعنى الحياة والحبّ. وأبرام، أبو الإيمان، هو اسم البطل… ذاك الشاب الأعجميّ الذي ما استطاعت الحرب في البلاد التي أُرْسِلَ ليحارب فيها أن تميته، تعيش معه رحلة حبّ كبير وعشق كبير وانتظار أطول من الزمن، يتخلّل ذلك تفتيش عن ولدها الذي ما اعتقدت أنَّه وُلِدَ حيًّا وبقي سترًا…
زواج الاستسلام الروحيّ مع الحقيقة… وما أدراك كيف تصف الكاتبة قمّة اللقاء كأنَّه أنوار من النور!

وفي عمق العمق الغربة هي بطلة الرواية الحقيقيَّة… هي العطيَّة الفريدة للنفوس العاشقة للحقيقة… هي العشق، هي الإشارات الإلهيَّة التي حملتها البطلة من مكان إلى مكان باحثة عن أنيس الروح، عن عشق العقل والمعرفة المجبول بأنهار من الرجاءات والحرِّيَّات الواعدات… الغربة، في رواية ناتالي الخوري غريب « عندما تعشق العقول »، شعور عميق، لا يمكنك أن تنفذ إليه إلاَّ بكشف الغطاء عن السرّ…
الغربة عندها تتجدَّد وتتجدَّد بتلاوين لا تنتهي من الولادات والإنسلاخات، حيث لا ينتمي الإنسان لأيّ مكان أو بالحريّ لا ينتمي أيّ مكان للإنسان الغريب… حيث الهنا لم يعد يشبه الغريب… حيث الهنا هي الغربة… وفي كلّ أفق تجد ضوءً من الأمل يَسدُّ الجوع العتيق، حيث تتقطّع الحياتات فتتًا فتتًا، حيث تتخرّب العلاقات مع كلّ المطارح، لا سيَّما مع المسرى الأوَّل حيث الحبّ الأوَّل، حيث الجرح الأوَّل، الجرح الأقسى لا بل الجرح الألذ… هذا الجرح المطبوع أبدًا، لا بل هو الطابع لحياتات العاشق… والأكثر روعة حيث الاعتقاد أنَّ الزمان يمكن أن يقف، ولكنّ الزمان لا يقف والغربة لا تقف. الغربة في سيرورة دائمة، في حركة مستمرّة، إلى غربات ما بعدها غربات، حيث يألمها جوع تلو جوع…
وما يشبع الجوع الدفين؟ سَلْ نفسك وأنت تقرأ الرواية… لن تجد جوابًا، بل من المؤكّد ستجد الجواب إنْ اختبرت العشق والحبّ والولادات كما الرجاءات.

الراوية، الواصلة العائدة تروي لنا ما تروي، كيف الذي فينا هو في جوع دائم وكيف يشبع « حين تعشق العقول » على « إيقاع نشيد الحياة، في لعبة التكوين، دوائر دوائر. »

Laisser un commentaire