سرُّ اللقاءات… أو سرُّ الوجُودِ

        مساء الخير                             سرُّ اللقاءات… أو سرُّ الوجُودِ

 

        سحرٌ هو لقاءُ الشمسِ بالأرضِ… مَنْ يَحْضُنُ مَنْ؟ أَهِيَ الأرضُ محضونةٌ والشمسُ حاضنةٌ…

        في هدأة الصباحِ، كان هدوءٌ… في الأصيلِ كم كان لقاءيهما عنيفًا… في المغيبِ، في المغيب عند لقاءِ الظلامِ بأرضِنا ذابت الشمس، لملمت نورها… جمعته وانذوت… أصبحت… عظيمة الأرض في عطائها!

        وطلّ القمر ولاقى الأرض مفتونة من لقائها الطويل بالشمس طوال النهار، عيونها لامعة مؤججة، بهدوء وبدون صخب ناداها، فاستحت، انجذبت إليه… وتلاقيا لقاءً عظيمًا… وكان الكون كله في عِظَمِة الظلام والسكون يهلّل، يصخب بصمت في عيون الملائكة في السماء الواسعة… ملائكة لا تعدّ… هي النجوم، تحاول معرفةً! يبقى جمال تلك النجوم سيدٌ، ولكن روعة لقاء الأرض بالقمر لن تصله، فتمَّحي تفتش عن عظمة لقاء آخر!

        تعبا من اللقاء… ندَّت الأرض عرقًا، وكانت بعض الغيوم سترًا.

        هي سحابات خجولات، للأرض ظهرها… من عمق الخجل أتت وإليه عائدة.

        وحدها الزهيرات عرفت سر اللقاء، فتجملت بذاك الندى، وكَبُرَت، وفَتَنَتْ من نظر إليها… لقاء الندى والأزهار هو سر البراءة…

        وكان اللحن ذلك اللقاء الفتنة، هو سر لقاء الصوت مع الأذن، هي فيروز تغني في الصباح وعند الظهر وفي الغروب وعند الغسق وفي الليل… لا هي تكنّ… ولا للتعب مكان!

        سحر اللحن هو في لقاء الموج بالشاطئ، فتنسج ذاك اللون الأزوردي الفريد، فيرسم الحياة، ويعطيها معنى كل المعنى…

        لقاء الإنسان بالإنسان هو السر العظيم. هو السر لأنه انجذاب أو تنافر، وما تبقَّى تقابل دون اللقاء، حيث يمكن للكل أن يمروا بقرب الكلّ، ولكن اللقاء لا يتمّ، تبقى الكلمات دون الكلمات، تبقى فارغة، فالقلب لا يهفّ، والعين لا تُبْهَر، حيث مرور المارين، عن قرب أو عن بعد وعدمه سيَّان، حيث أنت رقمٌ بين الأرقام، حيث لا لون لك ولا ميزة، أنت بين الخليط خليط، بين الأصوات أنت ضجةٌ ولست حنينًا، …في الساحات بين الآلاف وجودك وعدمه واحد. إن ضُرِبَ كتفك بأحدهم أو لم يُضرب سيَّان. في الزحمة أنت لست أنت. أنت وعدمك واحد. وواحد آخر، أي آخر، يكون مكانك فيكون، ولكنّه لا يكون. لأن اللقاء لم يتمّ

        عظيم هو اللقاء…

        في عدم اللقاء الكل يختفون ولا يبانون كأنهم لم يكونوا.

        في اللقاء، وفي اللقاء فقط تتلاقى فتكون.

        مع الأرض والشمس والقمر والأزهار والندى والنجوم والسحابات وموج البحر ولونه الأزوردي، واللحن، ورمال الصحراء… تكون!

سميح رعد

مس، فرنسا، 24 تشرين الثاني 2005

Laisser un commentaire