تأمّلٌ في الغربة والأصول

تتأرجح الرّوح الإنسانيّة بين قوّتين متضادّتين، كلّ منهما تحدّد مسارها وتسائل وجودها: شوق الإنسان إلى الأصول وعطشه إلى الحرّيّة. الغزالة والصّقر، في اختلافهما، هما مرآتان تعكسان أعماق هذه القوى في الإنسان. الغزالة، التي تحبّ أن تموت بين أترابها، تمثّل الحنين الإنسانيّ إلى نقطة ارتكازٍ، إلى مأوى الأمان والألفة. ففي هذا الميل حقيقةٌ راسخة: الإنسان يبحث عن عالمٍ يعترف به، حيث تجد ذاكرته ومشاعره وروابطه صدًى، حيث العودة إلى الأحبّة ليست محوًا، بل رجوعٌ إلى الأصل، إلى المسارات التي نشأ فيها، حيث تعلّم الحبّ والخوف، الأمل والبكاء.
أمّا الصّقر، فيحمل رؤيةً أخرى، رؤية الغربة الطوعيّة والفضاءات البعيدة عن الأصول والارتباطات. وجوده ليس مجرّد حياة، بل إعلانٌ للحرّيّة، وامتدادٌ للرّوح فوق حدود المكان والألفة والانتماءات. الغربة هنا ليست تمزّقًا مفروضًا، بل اختيارٌ وجوديّ، اختيارٌ يعبّر عن التأكيد على الحرّيّة، ورسم المسار دون قيود المكان أو المألوف.
بين الغزالة والصّقر يكمن السؤال العميق للوجود: إلى أيّ حدّ يمكن للإنسان الانفصال عن أصوله دون أن يفقد ذاته، وإلى أيّ حدّ يمكنه الانغماس في الأماكن والوجوه التي تحدّد هويّته دون أن يخنق اندفاعه نحو العالم؟ الغربة إذن مزدوجة: ألم الابتعاد أو تحرّرٌ من التجريد عن الأصول. والرؤية الحقيقية للحياة تكمن في الموازنة بين هذين القطبين، والعثور على التوازن بين الأصول والسمو.
التأمّل في الغزالة والصّقر هو تأمّلٌ في طبيعة الإنسان وهو يبحث عن المعنى: بعضنا يجد السلام في العودة إلى الأحبّة، والبعض الآخر في التحليق العالي للبحث عن الحرّيّة. لكنّنا جميعًا نشترك في الرغبة نفسها: أن نعيش بصدقٍ، في انسجامٍ مع أنفسنا، مع الآخرين ومع العالم. الغربة هنا ليست خطأً ولا لعنةً، بل هي الحالة التي تجعل من الممكن التفكير في هويّتنا، مكانتنا ورسالتنا، لتصبح حياتنا رحلةً واعية بين الأصول والفضاء اللامحدود.
الأب سميح رعد
مس، فرنسا، تشرين الأوّل 2025