الشيخ الرئيس يحيى بن عدي . سيرة أحد أعلام الفكر المسيحي العربي الوسيط

الشيخ الرئيس يحيى بن عدي . سيرة أحد أعلام الفكر المسيحي العربي الوسيط

سميح رعد

(نعيد نشرهذه المقالة التي صدرت في جريدة الحياة اللندنية في يوم 18 – 09 – 2004)

يحيى بن عدي من أبرز أعلام التراث العربي المسيحي، لا بل يعتبره العلامة المطران نيوفيطس إدلبي مفرقاً مهماً من مفارق تاريخ الفكر العربي، وكتابه « تهذيب الأخلاق » يعتبر من أبرز كتب الأخلاق في تاريخ الفلسفة العربية والتراث المسيحي المنفتح في حاضرة الإسلام والمسلمين.

10
ولد فيلسوفنا أبو زكريا يحيى بن حميد بن زكريا في تكريت سنة 893م، وكان ينتمي الى الكنيسة السريانية اليعقوبية. لقبه الشيخ الرئيس. لا نعرف الكثير عن عائلته إلا أن له أخاً شقيقاً صنو، يُعرف بإبراهيم بن عدي الكاتب.
ارتحل من تكريت الى بغداد حيث قرأ على أشهر فلاسفة عصره، لا سيما منهم أبي بشر متى بن يونس وأبي نصر الفارابي والرازي الكبير.
عندما توفي أبو بشر متى بن يونس سنة 940م، « انتهت الرئاسة اليه »، بحسب تعبير ابن النديم، والقفطي، والمسعودي، وقيل انه لم يكن من يضاهيه أو يقترب من مرتبته في الفلسفة، فقد كان الجميع يعترفون له « بالأستاذية » فمثلاً كان أبو حيان يعتبره أستاذ الجماعة، والسجستاني عند ذكره له كان يقول عنه « شيخنا ».
رقد الشيخ الرئيس في 13 آب أغسطس 974م مرتاحاً لأنه خدم العلم أجلّ الخدمات، وعمره واحد وثمانون سنة، تاركاً ما يزيد على مئة خمسين مؤلفاً بين كتاب ومقالة.
أما كتابه « تهذيب الأخلاق »، الذي طبع عشرين مرة، وحمل أسماء مؤلفين غير اسمه أمثال الجاحظ، وابن عربي وابن الهيثم، لهو دليل أهميته وقيمة ما يحويه من فكر أخلاقي وسياسي.
يحتوي هذا الكتاب، فيما يحتويه، على مشروع أخلاقي لمجتمع مبني على الأخلاق الوضعية، التي تشكل محطة يلتقي فيها لجميع، ونقطة حوار مشتركة نابعة من الإنسان – القيمة. لذلك لم يتكلم الشيخ يحيى عن « الوحي »، ولم ينطلق منه كأساس لأخلاقيته، فلم يسرد في نصوصه آيات من الكتب المقدسة، كما فعل أسلافه الفلاسفة أو معاصروه، لأنه أراد أن يكون كتابه مقبولاً من الجميع بمختلف كينوناتهم.
والشيخ يحيى لا يريد أن يرفض الدين من خلال فرضياته. فقد فهم الدين جيداً: الدين يربط بين الناس ولا يفرق بينهم… هذا ما يوضح لنا عدم تطرقه الى أهم القضايا الدينية الأخلاقية كالاعتراف بالله والقتل والزنى والسرقة، والى أهم عقيدة مسيحية مرتبطة مع الأخلاق: « النعمة »، ويشرح لنا لماذا لم يتطرق الى أهم الفضائل المسيحية: « الإيمان والرجاء والمحبة »؟

نستنتج من هذا الكتاب أن الفلسفة ليست ضد الدين بل أعاد تصويب الهدف الى المركز الصحيح: الفلسفة والدين هدفهما الإنسان. أخرج الفلسفة من سلطة الدين، وأخرج الدين من سلطة الفلسفة، في طريقة غير مباشرة، ووحد هدفهما من جديد نحو خدمة الإنسان. وهكذا انتصرت الفلسفة من جديد، ولكن هذه المرة ليس على الدين، بل انتصرت من أجل الإنسان.

من جهة أخرى نكتشف هدفاً مبيتاً، مخفياً خلف الطروحات الأخلاقية، هو السياسة… أن تكون الأخلاق السياسية جيدة، يعني أن تكون هناك أخلاقية جيدة في السياسة. مرات عدة وجَّه ملاحظات الى السلطة الحاكمة والى من يقتدي بها. فقد غمز من سيرة الرؤساء، وسيرة أتباعهم، ويتهمها في شكل غير مباشر بأنها غير حسنة السيرة، لا بل هي جاهلة وشريرة، ومن يقتدي بها أكثر شراً وأكثر جهلاً.
وإذا كان يحيى بن عدي من الفلاسفة الأوائل الذين حاولوا صنع نظام أخلاقي متكامل في اطار الفلسفة العربية الوسيطية، نقول اليوم أننا ما أحوجنا اليه لصناعة نظام أخلاقي لعالمنا القرية الصغيرة!؟ وكم نحن بالحقيقة بحاجة الى سحابة الشهود الأحياء للأخلاق الفاضلة التي تحدث عنها.
يحيى بن عدي وكتابه تهذيب الأخلاق ليس فقط جزء من تاريخ التراث العربي المسيحي بل هو جزء من تاريخ التراث الإنساني، وهذا ما يشرح أهمية ترجمته من خلال مستشرقين عدة أبرزهم ماري تريز أورفوا الفرنسية.
* كاتب لبناني، دكتور في الفلسفة ودبلوم في العلوم الإسلامية.

(الصورة مأخوذة من موقع

http://www.eltareeq.com/tareeq2010/pg_editorpage_id_r.aspx?ArID=104054)

Un commentaire

Laisser un commentaire